الخميس، 11 نوفمبر 2010

التسامح الديني في عُمان و طائر العنقاء

التسامح الديني في عُمان و طائر العنقاء
هذا العنوان من ظاهره قد يشير إلى استحالة وجود التسامح الديني في عمان؛ إذ أن العنقاء طائر خرافي، كما هو معروف، يستحيل وجوده في الواقع. لكن في الحقيقة، هذا الطائر الأسطوري دلالة من دلالات التسامح الديني في القرون الماضية في عمان، و هذا ما تسعى هذه المقالة إلى الكشف عنه.
أثناء قراءتي لبعض الدراسات الآركيولوجية المتصلة بعمان، خاصة تلك التي قام بها باولو كوستا حول المساجد و الأضرحة العمانية القديمة، استوقفني مشهد مثير يستوجب التأمل، و هو وجود بعض الصحون الصينية الجميلة، ذات اللون الأزرق و الأبيض، و التي تزين بها معظم محاريب المساجد القديمة في عمان. يتجلى المشهد في وجود طائر العنقاء الخرافي الذي يتوسط هذه الصحون الملصقة في محاريب المساجد العمانية. و منها على سبيل المثال، الصحن الذي يزين محراب مسجد "الشواذنة" المشيّد في حلة العَقْر بنزوى سنة 936هـ/ 1529م، أو الصحن الأزرق-الأبيض تزيّنه العنقاء، و الذي زُخرِف به محراب مسجد "العالي" في منح المشيد سنة 909هـ/1503م. و هذا أمر مألوف في المساجد العمانية الأخرى مثل مسجدي "العين" و "سعال" بنزوى، و الأول بناه الإمام المهنا بن جيفر، و الثاني بني في عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي.
ما يوحي به تأمل هذا المشهد هو مدى سعة الأفق الديني الذي كان يتمتع به الأسلاف؛ فوجود صورة طائر في محراب مسجد، يرتاده الأئمة و العلماء و الفقهاء، أمر ليس هينا، و لا يمكن تفسيره إلا بسعة الأفق و روح التسامح و تقدير الجمال المعماري. لم يكونوا سُذجًا حتما حتى يمر عليهم مثل هذا المشهد دون دراية بأبعاده الدينية و الاجتماعية، كلا لم يكونوا كذلك، و إنما، في تقديري، غلب حبُّ الجَمال على نفوسهم فلم تتسع تلك القلوب الطاهرة للتنطع و الغلو الذي يفيض به الخطاب الإسلامي اليوم.
لقد علم أولئك المشايخ أن "الدين المعاملة"، ولا يمكن أن يُختزل في شكليات غثة تتحول تدريجيا و سيكولوجيا إلى أفكار متطرفة و عنيفة. إن ذلك الاستقبال الجليل للثقافة الصينية في المساجد العمانية يدل على هذا الوعي المكين بالدين، الذي اتسم به أسلافنا، قدس الله أرواحهم. لقد كانوا يُعلون من شأن الجَمال في كل شيء؛ في الشعر، و الأدب، و العمارة، و الرسم. هكذا كانوا منذ عهد الرسول صلى الله عليه و سلم إلى عهودهم الماجدة. و في هذا السياق تحدثنا بعض كتب تاريخ الأدب مثل "الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني، و "خزانة الأدب" للبغداي، عن الصحابي الجليل، عبد الله بن عباس، حين كان في المسجد الحرام، و معه نفر من الأزارقة المتعصبين الذين يبدو أنهم يتناسلون إلى اليوم!، فدخل عليه عمر بن أبي ربيعة، الشاعر "الماجن"، كما تصفه بعض الكتابات البلهاء. فيترك ابن عباس حديثا عن الحيض و النفاس كان يتلقاه منه أولئك الذين ضربوا أكباد الإبل ليسألوه عن الحلال و الحرام، و يُقبل على عمر ليسأله عن آخر قصائده، فينشده الشاعر في المسجد غزليته الرائية، و منها:
فقالتْ لأختيها: أعينا على فتـى  *    أتى زائراً والأمرُ للأمر يُقْـدَرُ
 فأقبلتا فارتاعتـا ثـم قـالـتـا: *  أقلّي عليك اللومَ فالخطبُ أيسرُ
 يقوم فيمشي بيننـا مـتـنـكّـراً  *  فلا سِرُّنا يفشو ولا هو يَظهـرُ
و كان مِجَنّي دون من كنتُ أتّقي * ثلاثُ شخوصِ: كاعبان، و مُعْصِرُ
و يحفظ ابن عبّاس، و هو بحر الأمّة، القصيدة برمتها من أول وهلة، فيغيض ذلك المتنطعين الأزارقة، و يسخرون من الشاعر الجميل، و العالم الجليل معا.
إذن في مثل هذا السياق، نستطيع أن نفهم تقبل المشايخ العمانيين لطائر العنقاء، و هو يتوسط الصحونَ الصينية الرائعة، في محاريب المساجد العمانية، تماما كما تقبل ابنُ عباس "عنقاء" عمر بن أبي ربيعة في المسجد الحرام؛ فالشعر و الفن صنوان، كلاهما ضرب من الخيال. لقد كانت دماء المشايخ القدماء تنحاز للجمال، و لم يغلب عليها جفاف الفقه و غلظة الطبع. و لذلك سَلِموا من مزالق التطرّف، فاتسعت نفوسهم للأدب و الفن و الحياة, و هذا ما تؤكده شواهد عديدة من تراثهم الثقافي، و الشعري، و الفكري. ترى المصاحفَ العمانية القديمة، فيُدهشكَ الاحتفاءُ باللون بين الأسود، و الأزرق، و الأحمر، و الذهبي، ناهيك عن الاهتمام بالزخرفة على دَفّتيّ المصحف و هوامش الآيات، فترى مخطوطة القرآن و كأنها لوحة تشكيلية حديثة تتعانق فيها مختلف الألوان. و ترى المحاريب في المساجد، فتَعجَبُ من نزوع القوم إلى النحت و الزخرفة، سواء على الخشب أو الجص، حيث تتنوع الرسومات بين أشكال زهرية، وخطوط جميلة، و طاسات صينية مختلفة، نقش عليها آيات من القرآن، أو خُلّد فيها أسماء الفنانين الذين أبدعوا هذه التحف الفنية الرائعة. و ترى الحصونَ في نزوى، و بهلاء، و الرستاق، و الحزم، و غيرها من المناطق العمانية، فتجد الفن حاضرا، بنقوشه، و رسومه، و أشعاره، رغم الغرض العسكري الذي شيدت من أجله هذه المعاقل. و هناك نماذج أخرى من التراث الثقافي العماني تشهد على عشق القوم للجَمال و تقديرهم له، منها الرسومات و الخطوط الزاهية التي نجدها على جذوع النخل في أسقف المنازل العمانية التقليدية، و منها أيضا النقش على الجِرَار، و الطاسات، و الصحون، و الحِليِّ، و السيوف، و البنادق. إنها منظومة فنية متكاملة تعزز هذا الموضوع الذي انطلقت منه هذه المقالة. و في هذا السياق أشيد بكتاب أصدرته وزارة الأوقاف و الشؤون الدينية، بالتعاون مع وزارة التراث و الثقافة، نشر باللغة الإنجليزية في مسقط سنة 2008، يتناول بمقالات علمية رصينة "الفن الإسلامي في عمان".  
إن حُبَّ الجَمال فطرة ركزها الخالق في نفوس العباد، به تتزن نفوسهم، فيقبلون على الحياة بمختلف ألوانها و أطيافها، و إذا تجردت منه النفس البشرية فإنها تجنح للغلوّ، و تنحاز إلى الاستبداد.
 و قد شهد على التسامح الديني لدى أسلافنا العمانيين، معظم الأوروبيين الذين زاروا عمان في مختلف العصور. ففي نوفمبر سنة 1816م زار مسقط الرحالة البريطاني وليام هيود، وقد اندهش من تعدد الأجناس فيها بين عرب ويهود وهندوس و أتراك وبدو وأفارقة. و قد وصف العمانيين بقوله :" وهم في غاية التسامح. كما أنهم, على حد سواء, بسطاء في تصرفاتهم، و قليلا ما يفرقون في تعاملهم مع الديانات الأخرى". و في سنة 1833، زار مسقط إدموند روبرتس، الدبلوماسي و رجل الأعمال الأمريكي، و قد تحدث عن التسامح الديني في مسقط، مؤكدا بأن "كل الديانات في مناطق نفوذ السلطان، يعامل أتباعها بتسامح شديد، وليس هـذا فحسب، بل تقدم لهم الحماية الكافية بأمر من السلطان، ولا توجد أية عقبات تمنع النصارى واليهود، أو غيرهم من ممارسة شـعائرهـم الدينية، أو بناء معابدهـم". و في سنة 1863جاء ويليام جيفورد بالجريف، المبشر الإنجليزي، إلى عمان، و قد أثنى على التسامح الديني فيها، ملخصا صورته للشعب العماني بهذه الكلمات: "هم بطبيعتِهم دون أدنى شكّ, حسبَ خِبرتي بهم, الأفضلُ سَجِيّةً, و الأحْسنُ مَعْشَرًا, و الأكثرُ أنسًا, من جميعِ الأجناسِ العربيّة. التسامحُ، بأقصى درجاتِه التي لا تُوجدُ حتّى في أوروبّا, مَكفولٌ هنا لكلِّ الأجناسِ, و الدّياناتِ، و العادات. المسلمون، و اليهودُ, و المسيحيّون, و الهندوس, جميعُهم يعبدون اللّه بحرّيّةٍ حسبَ معتقداتِهم, و يلبسون ما يشاءون حسبَ عاداتِهم, و يمارسون الزواجَ، و دفنَ الموتى، و المواريثَ، حسبَ تقاليدِهم الخاصّة دون قيدٍ، أو إزعاجٍ، أو مَنْع."  
و في الحقيقة، لا يتسع المقام، هنا، لسرد جميع الشهادات التي أدلى بها الأجانب عن سعة الأفق الديني لدى العمانيين، و قد أتيتُ ببعض منها لتأكيد الفكرة المحورية التي تمركز حولها هذا المقال. فرحم الله تلك النفوس الطاهرة، ما هتف الجَمَالُ بإبداعها في محراب أو مئذنة.

هناك تعليقان (2):

  1. شدني الموضوع كثيرا فهو يضاف إلى سلسلة مواضيعك الرائعة التي ما انفكت تضيف الجديد و تشيع جوا معرفيا مغايرا بعض الشئ عما هو مطروح على الساحة الثقافية المحلية فمواضيعك يمكن أن يطلق عليها مواضيع تنويرية تحمل مشعل المعرفة على زورق من جمال قوامة بصيرة متقدة.

    الموضوع في مجملة يثير بعض التساؤلات المشروعة و منها:

    1. هل أدرك العمانيون الأوائل فعلا قيمة طائر العنقاء و ما ارتبطت به من أساطير و ما أحاطت به من خرافات و الدلالات الثقافية التي يحملها أم أن القضية لا تعدو كونها منظرا جماليا لطائر يزين محراب مسجد؟!

    2. قد يحمل البعض وجود ذلك الطائر في بعض المساجد إلى اجتهاد قلة من علماء الدين العمانيين في تلك الحقبة من الزمن و ليس بالضرورة أن يعكس وجهة نظر كل علماء الدين في كل العصور فتصوير كل ذي روح مسألة شائكة كثر فيها الأخذ و الرد قديما وحديثا.

    3. أجدني اختلف تماما مع قولك " ... إن ذلك الأستقبال الجليل للثقافة الصينية في المساجد العمانية يدل على هذا الوعي المكين بالدين الذي اتسم به أسلافنا قدس الله أرواحهم . " فاستقبال ثقافة بلد ما و استيعابها ليست بالأمر الهين و لا يمكن القطع بذلك من خلال التدليل بحادثة واحدة فالثقافة كلمة عميقة تحمل دلالات و مضامين غاية في الدقة و تحتاج إلى عوامل كثيرة لم تتوفر في ذلك الوقت حتى تحدث الأثر المطلوب الذي عبرت عنه.


    خالد الراشدي

    ردحذف
  2. عزيزي خالد
    شكرا جزيلا على تعليقاتك القيمة التي أعتبرها إثراء لهذه المدونة...تساؤلاتك مهمة و لا أملك لها إجابات حاسمة و لكني أعتقد بأن موضوع هذا الطائر الذي توسط الصحون الملصقة في محاريب بعض المساجد في عمان، خاصة التي أشرت إليها في المقال و الموجودة في نزوى و منح، لا يمكن أن يكون اعتباطيا و لا أتصور بأن العلماء الذين ارتادوا هذه المساجد لم يلحظوا هذا الطائر البارز في الصحون الصينية...و لم يبق أمامي في تفسير ذلك إلا الرأي الذي ذهبت إليه في هذه المقالة و هو طهارة تلك النفوس الجليلة من التنطع و الغلو...ربما من الصعب تقبل هذه الفكرة الآن، و ذلك لهيمنة الغلو على مجمل الخطاب الإسلامي في العصر الحديث و الذي من الواضح أنه ابتعد عن الجوهر و انحدر إلى الحشو...هناك أمثلة كثيرة من تاريخ العلماء القدماء تثبت فهمهم المكين للدين القائم على تقدير الجمال في كل شيء: في الشعر، و الفن، و الحياة
    هل تأملت قصة عبدالله بن عباس مع عمر بن أبي ربيعة؟ و هل أتاك حديث الغزل الصريح في أشعار الفقهاء و العلماء؟
    أمثلة عديدة لا يتسع لها المقام هنا...
    لك التقدير و الاحترام

    ردحذف